في القرن السابع عشر، يحاول الفيلسوف الإنجليزي توماس هوبز عبر كتابه الشهير «اللفياثان» شرح نظريته حول كون الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان، حينما تختفي السلطة العليا مدفوعًا بمخاوفه وصراعه من أجل البقاء. وقبل حتى أن يختلف معه أمثال روسو وجون لوك، كان يمكن تفسير دوافع الإنسان –حسب هوبز– وفق طبيعته البشرية القائمة على الصراع والاكتساح وحتى الانتقام… فالجميع يقتل الجميع.
وهو ما يمكن أن نراه في الفيلم الطويل الأول للمخرج حسام الحلوة، ومن كتابة الروائي البارع أحمد الحقيل، وإنتاج تلفاز 11، حيث الجميع يقتل الجميع مهما اختلفت المبررات والدوافع، لتنتصر الطبيعة البشرية وغرائزها في النهاية.
ليس هناك من قصة مثيرة بدرجة كبيرة في الفيلم، لكنها في النهاية قصة جيدة في جوانب منها وتقليدية في جوانب أخرى عديدة، غير أنها تنطوي على فكرة ذات عمق وأبعاد مهمة، وهو ما لا يمكن أن ننتظر أقل منه بالنسبة لمثقف وروائي لافت مثل أحمد الحقيل، الذي قدّم قصصه الجميلة عبر عدة كتب مثل «طرق ومدن»، و«بيت»، و«دوائر» وغيرها.
أما حسام الحلوة، فهو يقدم تجربته الإخراجية الأولى على مستوى الفيلم الطويل، بعد عدة أفلام قصيرة جيدة وناجحة وحققت جوائز مهمة، منذ بدأ مع مجموعة تلاشي السينمائية عام 2009 بفيلمه القصير الطريف والحاد «ما بي»، مرورًا بفيلمه الجميل «شقة 6»، ثم فيلم «عودة» الفائز بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان الخليج السينمائي بدبي عام 2009، وأخيرًا «صلة» الفائز بجائزة الإخراج. وهي كلها أفلام ذات طابع درامي بإيقاعات هادئة ذات معنى، وتعتمد حدة الشخصيات ووضعها في مواقف مربكة.
وقد كان من الغريب لدي أن يتجه في فيلمه الطويل الأول لهذا النوع القصصي، والمشوّب بمسحة شعبية لحدٍّ ما، ملامسًا أحد أنواع أفلام المغامرة والإثارة بهوية أفلام الويسترن الغربية. لكن الغرابة ستنجلي حينما نرى حسام يقدم إخراجًا متميزًا ولافتًا للغاية من بين أعمال المخرجين السعوديين على مستوى التكوين المشهدي والبصري وبدرجة غير مسبوقة، حيث استطاع عبر الكاميرا أن يلتهم أعين المشاهدين أو يجعلها معلّقة بجمالية التصوير وتحريك الكاميرا وزوايا الالتقاط وطبيعة اللقطات الطويلة المتقنة، فضلًا عن إجادة تحريك الممثل وصنع الميزانسين المناسب. وربما ما سيلحظه المشاهدون بدرجة أكبر هو الإتقان اللافت لكل عمليات اللقطات الحادة والصادمة والقائمة على العنف والوحشية والتفاصيل المرتبطة بها. وبالطبع ذلك الاستغلال الذكي والباذخ لبيئة العمل وجماليات تكويناتها.
ولكي ندرك علاقة الفيلم بفكرة مطلع المقال ونظرية هوبز وغيره، لابد أن نشير إلى أن الحقيل ومن بعده الحلوة كان عليهما أن يعودا مائة سنة للوراء، حيث عام 1923 وفي شمال المملكة تحديدًا، حيث تفصلنا تسع سنوات قبل الإعلان الرسمي لتوحيد المملكة العربية السعودية. وبالتالي فهي فترة اضطراب وتناحر وغياب تام للقانون والسلطة… لقد كانت بيئة مناسبة لرؤية العديد من الجثث والرؤوس المقطعة والطلقات الطائشة.
فالقصة –هي فكرة انتقام… حيث سعود «سعد الشطي» يلاحق رماح «يعقوب الفرحان» من أجل الانتقام، وامتثالًا لتوصية شديدة من أمه لكسر هذا القيد الذي لن يحدث ما لم يؤدِّ هذه المهمة المكللة بالمخاطر، حينما يتتبع أحد أشهر وأخطر «الحناشل وقطاع الطرق». وبالطبع هناك العديد من الشخصيات الثانوية المهمة بآداءات جيدة.
هل شعرتم أني لم أقل شيئًا كافيًا…!! نعم، هنا تكمن مشكلة النص، وهو برأيي أحد أضعف عوامل الفيلم، حيث كما ظهر لي كان نصًّا مرتبكًا ببناء متهلهل ومفتعل أحيانًا، وغياب تام لدوافع الشخصيات وكينونتها النفسية والذهنية، فضلًا عن طبيعة الحوارات الاستهلاكية وإسقاطات اللهجة المحكية المعاصرة على تلك الفترة. برأيي… لقد تم إحراق النص من أجل الشكل الإنتاجي الجميل والرؤية الإخراجية البصرية الباذخة أحيانًا كثيرة.
لكن كل هذا لا يمنع مطلقًا من القول بأن فيلم «القيد» إضافة جيدة ومهمة في مسيرة الأفلام السعودية، وأحد أبرز إنتاجاتها في السنوات الأخيرة. ولن أتردد مطلقًا في التوصية بمشاهدته من أجل تجربة حالة مختلفة ومثيرة ومهمة في مسيرة الأفلام السعودية.
