ربما هناك طريقتان للحديث عن فيلم ” المجهولة ” من إخراج هيفاء المنصور . الأولى وهي
الطريقة المعتادة عبر استحضار قيمة هذه المخرجة السعودية وإنجازاتها وطريقها الطويل في
صناعة الأفلام
فهي بالفعل أول مخرجة سعودية بغض النظر عن فيلمها القصير الأول ( من ؟ “) عام 2003
و ماقد يصاحبه من جدل الأسبقية . وهي أيضا هي المخرجة الأشهر سعوديا منذ بدات صناعة
الأفلام السعودية بحانب أنها المخرج الأكثر إنتاجا بواقع خمسة أفلام حتى الآن في مسيرة
امتدت لأكثر من 20 سنة وهي بالتالي المخرجة الأكثر تجربة عطفا على عملها المتواصل في
أمريكا مابين إخراج مجموعة من حلقات بعض المسلسلات غير الشهيرة و فيلمين طويلين
أحدهما Mary Shelley عام 2017 والآخر لصالحة منصة نتفليكس Nappily Ever
After عام 2018
وأخيرا هي المخرجة الأكثر والأهم إنجازا في السينما السعودية حيث رشحت عام عن فيلم (
وجدة ) لجائزة أفضل فيلم غير ناطق بالانجليزية في جوائز البافتا البريطانية الشهيرة ومن ثم
تمكنت من الدخول ضمن المسابقة الرسمية في مهرجان فينيسا الدولي عبر فيلمها الرابع “
المرشحة المثالية ” عام 2019 بجانب عدة مخرجين كبار من بينهم الياباني كوريدا والبولندي
رومان بولانسكي و والسويدي روي اندرسون والامريكي نواه بومباخ . ومن هنا لن تكون
الطريقة الأولى في صالح المخرجة هيفاء في الحكم على فيلمها الخامس ” المجهولة ” الذي
كان عرضه الأول عالميا في برنامج Centerpiece في مهرجان تورنتو حيث أن سيرة بمثل
هذا التألق والاسبقية سيرفع مستوى التطلعات لفيلم أفضل و أكثر نضجا وعمقا في المعالجة
ولكن سنجد في النهاية أن مايمكن احتسابه لها في هذا الفيلم هو استمرارية تمكنها الجيد من
الأدوات الشكلية في تنفيذ المشاهد من حيث الصورة والتكوين ولا شيء آخر . وهذا بطبيعة
الحال سيعود للسبب الرئيسي دائما في إخفاقات الأفلام وهو ضعف النص ومستوى استلهامه
الكبير للكليشيه الأمريكي في أفلام الغموض والجريمة وتجاوزه لواقعية المجتمع ” السعودي “
وطبيعة الإجراءات النظامية وهوية القيم والتقاليد الاجتماعية لصالح حبكة الفيلم – فعمل المرأة
مثلا في قسم الشرطة وتحركها بشكل فردي للتحقيق ورعاية رئيس المركز لها هو شيء
أمريكي تقليدي للغاية وليس منتميا لطبيعة التقاليد المهنية في السعودية , كما أن طريقة الصلاة
على الجنازة ايضا بالدعاء لها بشكل جماعي قبل الصلاة بدا وكأنه محاولة لتوظيف المشهد
عاطفيا بغض النظر عن كونه أمرا ليس واقعيا في المجتمع السعودي وتقاليديهم الدينية)… ولكن
هنا علينا أن نذكر بقصة الفيلم : نوال هي امرأة ( تؤدي دورها بشكل جيد الممثلة ميلا الزهراني
) تعمل في قسم الشرطة في الارشيف والرقمنة وتصوير المستندات في الوقت الذي تشهد فيه
جريمة بشعة حينما يتم العثور على جثة فتاة مقتولة ومرمية خارج المدينة مما سيشير بدهيا لما
يسمى بجريمة شرف – وهنا سنرى الموظفة نوال وهي تقحم نفسها لفك أسرار هذه الجريمة
والتحقيق ورائها وإعادة الاعتبار لهويتها والاعتراف بها !! قبل أن يصل الفيلم في النهاية
لإغلاق متسارع اعتمادا وبشكل تقليدي على ما يسمى بالفلاش باك مما يذكرنا بما قاله المؤلف
جان بول تورك ” الفلاش باك هو شيء سطحي لايعتمده سوى الكتاب الكسالى أو المبتدئين ” .
وحينما نعود إلى النظر للفيلم باصطحاب مانعرفه عن المخرجة هيفاء المنصور فهو على الرغم
من كونه يصنف كفيلم جريمة غموض وتشويق إلا انه يدور في ذات الفلك الذي تضع هيفاء
نفسها في مداره .. المرأة .. حقوقها وتمكينها وكينونتها وقضاياها وتطلعاتها ولكن بملامسة
سطحية لحد ما ليس من المفترض أن تكررها بعد كل هذه التجارب !! فالمرأة هنا ضحية فكرة
تقليدية متطرفة واغتيالها وعدم الاعتراف بهويتها هو اسقاط رمزي تقليدي أيضا حيث مازالت
هيفاء تفتقد المعالجة العميقة والصادقة في سرديتها حينما تتعرض لموضوع المرأة رغم انها
تمتلك الكفاءة الإخراجية الشكلية والبصرية الكافية إضافة لصدقها في تبني مواقفها .
وهذا في النهاية سينقلنا إلى الطريقة الثانية في الحديث عن الفيلم . وهي التجرد التام في النظر
إلى الفيلم بمعزل عن مخرجه على طريقة الناقد الفرنسي رولان بارت في ” موت المؤلف ” .
حيث سنجد أيضا أن الحكم و بكل أمانة لن يتغير كثيرا وإنما سيرتكز في الأساس على ضعف
النص من حيث هشاشة الحبكة وافتعالها بطريقة فجة لتقديم المعنى وضعف الحوارات وسط
الكثير من التعبير التقليدي ” الكليشيهي ” والتخبط في رسم الشخصيات ودوافعها وكأن الفيلم قد
كتب بطريقة عكسية من أجل حبكته و نهايته المفاجئة !! وسابقا كان المخرج الفرنسي الكبير
روبيرت بريسون قد صرح بأن ” الحبكة هي خدعة الروائي “
إذن … مالشيء الجيد هنا ؟ الشيء الجيد أن هيفاء لم تفقد لمستها الجمالية وتمتلك طاقة كبيرة
وجميلة لإحداث فعل سينمائي ومازالت تؤمن بالسينما كأداة إشارة وتنويه حيث تحمل هم
قضاياها الخاصة ولكن من وجهة مظر شخص شاهد جميع إنتاجاتها منذ بداياتها فساسمح لنفسي
بتقديم مثل هذه التوصية : العناية بشدة وبطريقة أكثر تريثا في كتابة نصوص الأفلام وربما
الاستعانة بأشخاص اكثر احترافا وتعمقا في الكتابة . وأما الأمر الآخر فهو أن موضوع المرأة
يتجاوز مايتعلق فقط بقضاياها وحقوقها واجترار ماضيها إلى الحديث عن هويتها ومشاعرها
ومستوى تعدد وجودها الاجتماعي كإنسانة وليس فقط كشخصة ملغاة … وهو مايذكرني بما
تفعله المخرجة الرائعة الاسكتلندية لين رامزي مثلا ومن قبلها كبار المخرجات السينمائيات من
أمثال البلجيكية آغنيس فاردا و شانتال أكرمان وغيرهما بالطبع .
