السينما … وجه آخر!

يوما ما كان هناك النقاش الجدلي الذي لن يغير شيئا حتى بزعامة الفيلسوف الشهير جان جاك روسو في منتصف القرن
الثامن عشر حول أهمية الفنون ودورها في المجتمع فهي لاتشق القنوات ولا تحفرالآبار أو تبني المصانع , كان هناك من
يصرخ ( لاتبنوا المسارح , بل ابنوا السدود , ولا تنحتوا التماثيل بل شقوا القنوات ) ولم يكن هذا لينجح مطلقا فما أن تهدأ
الأمور وتنسحب الحروب ويفيض الوقت على الجميع إلا وتظهر الفنون بشموخها المعتاد منذ آلاف السنوات !! إنها قرينة
الوجود البشري بلاشك . حتى في أضيق المفاهيم التي جادل حولها الفلاسفة والمفكرون .. لقد كانت منذ البدء قد ارتبطت
بشكل مجدول كما الظفائر مع وجود الإنسان دينيا أو انتشاءا بالأمجاد السالفة والقيم المتوارثة أو حتى على سبيل المتعة
والتسلية والتجارة . لم يتوقف الأمرفيما بعد عند الأهمية والدور وإنما جاوزه لحالة من التقدير المفرط … وربما التقديس
!! فبحسب ماكس فيبر ( يستولي الفن على وظيفة الخلاص الدنيوية فهو يقدم الخلاص من المظاهر الرتيبة للحياة اليومية
وخصوصا ضغوط العقلانية النظرية والعملية ) ويوما ما قال عنه نيتشة أن ( من شان الفن أن يرفع رأسه عاليا عندما
تفقد الديانات مجالها ) ومن قبلهم وتحديدا مابعد عصر النهضة تم تقديس الفن وتحويل الفنان إلى إله أو نبي وظهرت
عبارة ( الفن للفن ) كما هو عند المثاليين الألمان مثل شيلر وفيخته وأوائل الرومانتيكيين حيث وضع الفن بجانب الدين
والفلسفة كطرق لفهم العالم . وفي عام 1964 كان الناقد الفني البريطاني الشهير والمؤثر في هذا الحقل كلايف بيل
صاحب نظرية ( الشكل الدال ) قد صرح قائلا (أجد نفسي في لحظات الوجد البالغ منجرفا إلى الإعتقاد بأن الفن قد يثبت
يوما أن فيه خلاص العالم ) . فيما الروائي الشهير صاحب ( زوربا اليوناني ) نيكولاس كازنتزاكي قد عبر بطريقة
شعرية عن قيمة الفن حينما قال ( أكثر من الخمرة والحب ,أكثر خداعا من الأفكار هي قدرة الفن على إغراء الإنسان
وجعله ينسى ) .حسنا … ماذا عن السينما محور الحديث هنا ؟ … لاحقا سيظهر ذلك النقاش الذي لم يكن لينجح هو الآخر
أيضا في حرمان السينما تحديدا من اعتبارها فنا تجري عليه كل التنظيرات والجدليات التي جرت على ماسبقه من الفنون
والاعتراف بها فنا سابعا كما سماه ذات يوم الناقد الفرنسي ريشيه كانود . مع أن الأمر لم يكن بهذا التسليم المطلق حينما
نازع البعض في اعتماد السينما فنا يستحق هذه التسمية المشرفة بكونها كما كان يقال تدويرا أو اقتراضا لما سبقها من
الفنون ولأنها ربما نشأت بشكل شعبي مبتذل وكأنها تعبيرمشوه للفنون الجميلة السابقة من رسم ونحت ومسرح وأوبرا
وغيرها لكن الأمر الآن لم يعد قابلا للنقاش ففضلا عن السينمائيين أنفسهم سنرى أن هناك من المنظرين والفلاسفة من
انصرفوا لقراءة السينما وبنية الفيلم ( الانطولوجية ) ودلالاته الرمزية وقدرة السينما الفارقة على إحداث المشاعر وتوجيه
الآراء وكما قال الفيلسوف الأمريكي ستنالي كافيل والمتوفى عام 2018 ( اعتبر ان السينما توجد في وضعية فلسفية
بكيفية واعية أو غير واعية لان السينما ذات طبيعة تأملية) .
إذن … نحن الآن في مطلع القرن الحادي والعشرين ولم يعد هناك أي مجال للشك أو النقاش حول فنية السينما وأهميتها
ولذا فالسؤال الآن : مالذي نخشاه من السينما ؟
لنتفق أولا على قوة تأثير السينما وقدرتها الكبيرة على الوصول إلى شرائح متعددة من المجتمع في مختلف الأعمار
والطبقات … إنها بشكل ما تعيد تشكيل الوعي وتوجه التفكير وتصنع الآراء !! أليس هذا خطيرا بدرجة ما إذا ما أخذنا
بالاعتبار كلاما مثل مايقوله المؤرخ الأمريكي البارز في مجال الإعلام إريك بارنو ( هناك أيديلوجيا مضمرة في كل
القصص الخيالية حيث يفوق عنصر الخيال – أي المبتكر – في الأهمية العنصر الواقعي في تشكيل آراء الناس) وعطفا
على قوة السينما في الإقناع و (استغلال الفيلم السينمائي شيفرته السينمائية لتمرير رسالته نحو المتلقي ) كما يعبر الناقد
السيمولوجي الشهير كريستيان ميتز .
والآن لنقل كلاما بديهيا معروفا … حيث مرت السينما بعقود من الاستغلال الأيديولوجي السياسي والحزبي لصناعة
بروباغاندا شوفونية ونرجسية منذ العقود الأولى من بداياتها … البلشفية الروسية والنازية الألمانية وحتى الفاشية الإيطالية
والماوية الصينية وبالطبع الأمريكية والتي ساهمت بتوسيع الأمر لفضاءات أكبر حيث التنميط العرقي وهنا سيكفي رؤية
تنظيرات الدكتور الأمريكي في دراسات الاتصال الجماهيري جاك شاهين الذي استقصى مايقارب الألف فيلم حول صورة
العرب في هوليوود في كتابه ( العرب الأشرار في السينما : كيف تشوه هوليوود شعبا ) فضلا عن كتب أكثر شمولية مثل
( المتلاعبون بالعقول ) لفانس باكارد الصحفي الأمريكي المولود عام 1914 او ( قصص لاترويها هوليوود ) للناقد
الاجتماعي والمؤرخ الأمريكي هوارد زن المتوفي عام 2010 حيث يتم التوجيه في صناعة الآراء والأفكار ونعزيز
الهوس الاستهلاكي وصناعة النجوم لتحقيق كل هذه الأهداف .

ثم لنذهب إلى السؤال الذي يفرض نفسه : إذا كان الأمر بدهيا كما زعمت مسبقا فماالذي يمكن أن نخشاه من السينما ؟
وهنا علينا أن نقر أن هذا الأمر ليس في كل ماتقدمه السينما بل هناك الكثير مما هو ضد ذلك تماما والعديد من الأفلام
الجميلة ذات الصبغة الإنسانية والطرح الموضوعي بقدر ما أن هناك الكثير أيضا من الأفلام الشهيرة والشعبية تعزز لهذه
الإشكالية المعروفة مسبقا لكن الذي يجعل الأمر على حافة الخطر ويزرع في نفوسنا شيئا من الخشية والتوجس هو
ماتقدمه السينما في كثير من حالاتها مما لايبدو بدهيا أو معروفا ..!

وأعني بذلك أن السينما والتي تأتي من طبيعة الثقافة الغالبة في الوقت الذي يبدو ( المغلوب مولع أبدا بالغالب ) كما هو
تعبير ابن خلدون الشهير .- حينما تطرح رؤيتها تجاه الحياة والوجود ومن ثم المجتمع والفرد وأخيرا المفاهيم والقيم
المحتكمة وربما حتى العلم والمعرفة يبدأ حينها الجانب المخيف من السينما ( هل يمكن ان تقوم السينما فعليا بتعزيز
معارف علمية غير حقيقية وأطروحات جاهلة لمجرد تمرير أجندة معينة ووفق أيديلوجيات تبشيرية ؟ سيبدو موضوعا
جيدا للحديث لاحقا ).
وإذا مااتفقنا على خطر هذا الجانب من السينما فلن يكون الحل بطبيعة الحال هو رفضها .. وإنما لنقم بجهد أكبر في
مجالات التحليل والنقد وقراءة الأفلام … وبجهد أكبر و أكبر في المشاركة في صناعة السينما وتقديم أفلام تعبر عن
هويتنا ورؤانا المنهجية الخاصة تجاه كل شيء … وبجهد أخير يتمثل في التنبيه ونشر الوعي حول هذا الموضوع وهو
ماحاولت بإيجاز أن أفعله عبر هذه المقالة .

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *